محمد متولي الشعراوي
1655
تفسير الشعراوى
عندما يوقد الإنسان نارا ما في الخلاء فضوؤها يجذب الفراش ، ويحترق الفراش بنيران الضوء ؛ فقد جذبه النور وأغراه ، ولكنه لم يعرف أن مصرعه في تلك النار . والحكمة العربية تقول « رب نفس عشقت مصرعها » كذلك في الشهوات ، تتزين الشهوة للإنسان ، فتجذبه إليها فيكون فيها مصرع الإنسان . لكن ما الحماية للإنسان من ذلك ؟ إن الحماية هي في منهج اللّه « افعل » . و « لا تفعل » فمن يرد أن ينقذ نفسه من كيد الشيطان وكيد النفس فعليه أن يخضع لمنهج اللّه في « افعل » و « لا تفعل » . وقد قلت قديما : إنه من الحمق أن يصنع صانع صنعة ما ، ثم ينسى أن يضع لها قانون الصيانة . والإنسان في حدود صناعته لا ينسى ذلك ، فما بالنا بالحق سبحانه بطلاقة قدرته ؟ إن الخالق سبحانه وتعالى قد صنع الإنسان ، ووضع الحق سبحانه وتعالى قانون صيانة صنعته في الإنسان فقال جل وعلا : افعل كذا ولا تفعل كذا ، فمن أراد أن يعتصم بالحبل المتين فلا يأتي له نزغ شيطان أو كيد عدو ولا هوى نفس . فليعتصم بمنهج اللّه ؛ لأن اللّه هو الذي خلقه وهو الذي وضع منهجه كقانون لصيانة صنعته ، وهو القانون الموجز في « افعل ولا تفعل » . ويقول الحق : « وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ » وكلمة الاعتصام أروع ما تكون عندما يكون الإنسان في الهواء معلقا في الفراغ ، وهو في أثناء وجوده في الفراغ فإن ثقله الذاتي هو الذي يوقعه ويسقطه ، لكن عندما يتمسك الإنسان بمنهج اللّه فإنه ينقذ نفسه من السقوط والهوى ( بضم الهاء وكسر الواو ) ومهمة الشيطان أن يزيّن المعصية بالبريق ، فتندفع شهوات النفس هائجة إلى المعصية ، ولذلك يأتي الشيطان يوم القيامة ويأخذ الحجة علينا . يقول الحق : وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا